يتناول مقال محمد صالح المنشور في مجلة Foreign Policy احتمال انخراط الأحزاب الكردية الإيرانية في الحرب المتصاعدة بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، في ظل تقارير عن تعاون محتمل بين واشنطن والمعارضة الكردية لاستخدامها كقوة برية داخل المناطق الكردية في إيران. ويشير المقال إلى أن هذا السيناريو يمثل في نظر كثير من الأكراد فرصة تاريخية لتحسين موقعهم السياسي داخل إيران بعد عقود من التهميش والتمييز، لكنه في الوقت نفسه يحمل مخاطر كبيرة قد تؤدي إلى انتقام إيراني واسع ضد المجتمعات الكردية في إيران والعراق، خاصة إذا تراجع الدعم الأمريكي كما حدث في تجارب تاريخية سابقة. كما يحذر المقال من أن انخراط الأكراد في الصراع قد يؤدي إلى تداعيات إقليمية تشمل العراق وتركيا وربما باكستان، ويؤكد أن القضية الكردية تعكس مشكلة أعمق تتعلق بطبيعة الدولة المركزية في إيران وبسؤال الهوية الوطنية في بلد متعدد الأعراق. ويخلص الكاتب إلى أن أي انتقال سياسي مستقبلي في إيران لن ينجح دون معالجة مطالب الأقليات العرقية وبناء نظام سياسي أكثر تعددية وشمولًا يدمج مختلف المكونات المجتمعية في الدولة.
A Dangerous Opportunity for Iran’s Kurds
مع استمرار تصاعد الحرب بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، ظهرت تقارير تفيد بأن واشنطن قررت الاستعانة بدعم الأحزاب السياسية الكردية الإيرانية. ويبدو أن الخطة تتصور أن تعمل هذه الجماعات كقوات برية داخل المنطقة الكردية في إيران، المعروفة لدى الأكراد باسم روجهلات. وقد اكتسبت هذه التقارير مزيدًا من المصداقية بعد مكالمة هاتفية بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ومصطفى هجري، رئيس تحالف من أحزاب المعارضة الكردية الإيرانية تشكّل في أواخر فبراير. وقد رفعت هذه المكالمة من مكانة الأكراد في إيران وظهورهم السياسي بطريقة غير مسبوقة، إذ يبدو أن هجري كان الزعيم الوحيد من قادة المعارضة الإيرانية الذي أجرى محادثة مباشرة مع ترامب خلال الصراع.
وبالتوازي مع هذه التطورات، كثفت الحملة الجوية الأمريكية-الإسرائيلية ضرباتها ضد أهداف تابعة للنظام في أنحاء كردستان الإيرانية. ويشير نطاق هذه الضربات إلى أنها مصممة استراتيجيًا لتفكيك كامل البنية الأمنية للنظام في المنطقة الكردية، بما في ذلك المنشآت التابعة للحرس الثوري الإيراني، والجيش النظامي (الجيش)، وقيادات حرس الحدود، ومراكز الاستخبارات، وحتى مراكز الشرطة. ويبدو أن الهدف هو إضعاف قدرة النظام على المقاومة في حال اندلاع انتفاضة شعبية أو في حال تحرك قوات المعارضة الكردية إلى داخل الأراضي الإيرانية من إقليم كردستان العراق المجاور.
إن متابعة ردود الفعل في وسائل الإعلام الكردية ووسائل التواصل الاجتماعي، إضافة إلى محادثات مع مراقبين أكراد في أنحاء المنطقة، تشير إلى أن كثيرًا من الأكراد يرون في المشاركة المحتملة في الصراع مقامرة خطيرة وفرصة تاريخية في الوقت نفسه. فإذا نجحت هذه المشاركة، فقد تحسن الوضع السياسي وآفاق الأكراد داخل إيران. أما إذا فشلت، فقد تكون العواقب كارثية، مما يخلق مخاطر كبيرة للمجتمعات الكردية في كل من إيران والعراق. وفي هذه اللحظة الحساسة، فإن أفضل طريق للأكراد الإيرانيين — ولإيران ديمقراطية مستقبلًا — يتطلب تعاونًا بين مجموعات الأقليات العرقية والمعارضة الإيرانية الأوسع.
ولكي تنجح أي عملية تدخل مسلح من قبل الأحزاب السياسية الكردية الإيرانية — على الأقل من المنظور الكردي — سيكون من الضروري توفير غطاء عسكري مستمر من الولايات المتحدة وإسرائيل. كما ستكون هناك حاجة إلى دعم سياسي ليس فقط خلال المرحلة الحالية من الصراع، بل أيضًا في حال انهيار الجمهورية الإسلامية أو بقائها في حالة ضعف أو تحول. وإذا قرر صناع القرار في واشنطن سحب دعمهم بعد تشجيع المشاركة الكردية على الأرض، فقد تكون العواقب كارثية، إذ قد يعرّض ذلك المجتمعات الكردية في أنحاء المنطقة لعمليات انتقام واسعة من قبل الدولة الإيرانية. وهذا السيناريو ليس بعيد الاحتمال، فقد حدث وضع مشابه بعد حرب الخليج في 1990–1991. ففي ذلك الوقت، انتفض الأكراد ضد الرئيس العراقي صدام حسين بعد تشجيع من الرئيس الأمريكي آنذاك جورج بوش الأب، لكنهم تُركوا مكشوفين أمام العمليات العسكرية التي شنها نظام حسين. ولم يؤدِّ إلى تدخل دولي لوقف الحملة الوحشية إلا مشاهد النزوح الجماعي للمدنيين الأكراد وموت الأطفال من البرد في الجبال.
كما لا تزال الذكريات المؤلمة للحرب السورية حاضرة بقوة لدى الأكراد في أنحاء المنطقة. ففي سوريا، بدا أن القوات الكردية كانت على وشك أن تُترك من قبل شركائها الدوليين في عدة مناسبات بينما كانت تواجه هجمات من قوات الحكومة السورية والميليشيات المتحالفة معها حتى وقت قريب في يناير الماضي. ونتيجة لذلك، يشكك كثير من المراقبين الأكراد فيما إذا كان دعم واشنطن في الحالة الإيرانية سيكون ثابتًا ودائمًا أم مجرد دعم مؤقت ومرتبط بظروف معينة. ومن دون التزام مستمر من الولايات المتحدة وحلفائها بدعم المجتمعات الكردية في كل من إيران والعراق، يرى الأكراد أن المشاركة في الصراع قد تكون خطيرة للغاية بالنسبة لهم.
وفي الواقع، فإن المخاطر لا تقتصر على الأكراد الإيرانيين وحدهم. فالمشاركة المحتملة للجماعات الكردية الإيرانية في الصراع الحالي تحمل تداعيات إقليمية كبيرة. فقد يواجه أكراد العراق أيضًا عواقب خطيرة إذا تصاعد الصراع. إذ يبقى إقليم كردستان العراق عرضة للضغط والهجمات من إيران ومن الجماعات المسلحة الشيعية في العراق المتحالفة مع طهران. وتكشف تصريحات القيادة الكردية العراقية أنها تملك قدرة محدودة على التأثير في القرارات الاستراتيجية الأوسع التي تُتخذ في واشنطن. ومن المرجح أن يستمر التعاون بين القوات الأمريكية وجماعات المعارضة الكردية الإيرانية بغض النظر عن الموقف الذي تتخذه السلطات في أربيل. ويعتمد إقليم كردستان، الذي يضم أكثر من ستة ملايين نسمة، بدرجة كبيرة على الولايات المتحدة في مجالي الأمن والدعم السياسي، ولذلك فإن لديه مجالًا محدودًا لرفض المبادرات الأمريكية علنًا. ومنذ 28 فبراير، عندما بدأت الضربات الأمريكية والإسرائيلية ضد إيران، تعرض إقليم كردستان العراق بالفعل لحملة متصاعدة من الهجمات من قبل إيران والجماعات العراقية المتحالفة معها. ومن المرجح أن يتسع نطاق هذه الهجمات وحدتها إذا دخلت قوات المعارضة الكردية الإيرانية في الصراع.
ومن المرجح أيضًا أن تنظر تركيا إلى مثل هذه التطورات بقلق، وهو ما قد يزيد تعقيد الوضع. فقد كانت أنقرة تاريخيًا حذرة من أي مكاسب سياسية تحققها الجماعات الكردية في أي مكان في المنطقة، إذ تنظر إلى مثل هذه التطورات من خلال عدسة قضيتها الكردية الداخلية. ونتيجة لذلك، من المرجح أن يقاوم صانعو القرار في تركيا توسيع الدور السياسي للأكراد في إيران. كما أن احتمال مشاركة الجماعات البلوشية في جنوب شرق إيران، إذا حدث، قد يجذب باكستان أيضًا إلى المشهد، إذ تنظر إسلام آباد بقلق إلى النشاط السياسي للقومية البلوشية.
ومع ذلك، وعلى الرغم من كل ذلك، فإن اللحظة الحالية من التعاون مع واشنطن تحمل جاذبية كبيرة للأكراد في إيران. فبالنسبة لمجتمع عانى طويلًا من التهميش السياسي والقيود على الحقوق الثقافية واللغوية والتخلف الاقتصادي، تمثل هذه اللحظة فرصة نادرة للسعي إلى حقوق سياسية ظلت بعيدة المنال طوال قرن من تاريخ إيران الحديث.
وفي حين أن بعض التعليقات في وسائل الإعلام الغربية ودوائر صنع السياسات تصور خطأ النشاط الكردي أو نشاط الأقليات العرقية الأخرى على أنه نزعة انفصالية أو توحي بأن هذه الجماعات مجرد أدوات لقوى خارجية، فإن مشاركة الأكراد في الحرب الحالية تعكس ديناميات سياسية أعمق داخل إيران لا يمكن فهمها من منظور عسكري بحت. فالأكراد يتعاملون مع هذا الوضع في سياق تاريخهم ومظالمهم المشروعة.
وخلال العقد الماضي على وجه الخصوص، ازدادت أهمية العامل العرقي تدريجيًا في المشهد السياسي الداخلي الإيراني. وقد ظهر هذا التحول في موجات الاحتجاج المتعاقبة منذ عام 2017، حيث أصبحت المناطق ذات الأغلبية العرقية — وخاصة المناطق الكردية والبلوشية والعربية — مراكز رئيسية للحراك. ورغم أن إيران لا تنشر إحصاءات رسمية حول التركيبة العرقية لسكانها، تشير العديد من التقديرات إلى أن نحو نصف سكان البلاد ينتمون إلى مجتمعات غير فارسية مثل الأذريين والأكراد واللور والعرب والبلوش والتركمان وغيرهم. وتعيش هذه المجتمعات في الغالب في المناطق الحدودية لإيران، مكونة حلقة جغرافية تحيط بمركز البلاد. أما الفرس، الذين ينتمي معظمهم إلى المذهب الشيعي، فيبقون الجماعة المهيمنة سياسيًا داخل مؤسسات الحكم في الدولة.
إن وصف الجماعات الكردية أو غيرها من جماعات المعارضة العرقية بأنها حركات انفصالية تعمل بتوجيه من قوى أجنبية يتجاهل السياق البنيوي الأعمق الذي تعمل ضمنه هذه الجماعات. فكثير منها نشأ استجابة لعقود من السياسات الحكومية التمييزية المنهجية والمؤسسية. وبعد عقود من النشاط السياسي غير الناجح، يعتقد كثير من أبناء هذه المجتمعات أن فرص الإصلاح الحقيقي داخل النظام السياسي الإيراني القائم تبدو محدودة.
وهذا صحيح بشكل خاص عندما يُظهر حتى بعض أبرز شخصيات المعارضة خارج إيران استعدادًا محدودًا لمعالجة المطالب السياسية والثقافية للأقليات العرقية. فعلى سبيل المثال، لم يُبدِ ولي العهد السابق رضا بهلوي أي مرونة سياسية أو خطابية تُذكر فيما يتعلق بمسألة حقوق الأقليات. وكثيرًا ما يتهم مسؤولو الجمهورية الإسلامية وأجزاء من المعارضة في المنفى نشطاء الأقليات بـ«الانفصالية»، وهي تهمة تحمل عواقب خطيرة في إيران. وعلى مر السنوات، أُعدم العديد من النشطاء السياسيين الأكراد وغيرهم من نشطاء الأقليات بتهمة الانفصالية، سواء في عهد الملكية البهلوية أو في ظل الجمهورية الإسلامية.
ومن المرجح أن يتطلب أي انتقال سياسي مستدام في إيران إعادة تعريف للهوية الوطنية الإيرانية. فالسردية الرسمية الحالية للدولة تؤكد أولوية اللغة والثقافة الفارسية إلى جانب الإسلام الشيعي باعتبارهما الركيزتين الأساسيتين للهوية الإيرانية. وفي بلد يشكل في الواقع فسيفساء معقدة من المجتمعات العرقية والدينية، قد يكون من الضروري تبني فهم أكثر تعددية وشمولًا للهوية الوطنية من أجل تحقيق الاستقرار على المدى الطويل. إن تطوير إطار سياسي شامل كهذا سيكون أمرًا حاسمًا لضمان أن ترى المجتمعات المتنوعة نفسها ممثلة في مستقبل الدولة الإيرانية.
ومع ذلك، وحتى إذا سعت واشنطن وحلفاؤها إلى إضعاف النظام الحالي أو إزالته في نهاية المطاف، فلن تكون الجماعات الكردية وحدها قادرة على تحديد مستقبل إيران السياسي. فالتنظيمات الكردية مؤثرة بشكل رئيسي داخل المناطق الكردية. أما أي تحول أوسع في النظام السياسي الإيراني فسيتطلب تعاونًا بين طيف واسع من قوى المعارضة. ولذلك فإن تشجيع التنسيق بين جماعات المعارضة العرقية والحركات السياسية الإيرانية الأوسع يعد خطوة أساسية في تشكيل أي انتقال سياسي مستقبلي. وقد أشار الأكراد مرارًا إلى استعدادهم للانخراط في حوار مع بقية قوى المعارضة ودعم إطار سياسي لإيران يقوم على الديمقراطية والتعددية والشمول.
ويبدو أن الفاعلين الأكراد يدركون جيدًا المخاطر المرتبطة بالدخول في الصراع الحالي، ومن المرجح أن يتصرفوا بحذر. ومع ذلك، فإن الدافع الأعمق لعدم الاستقرار في إيران — وفي أجزاء واسعة من الشرق الأوسط — يظل متمثلًا في بنى الدولة السلطوية المركزية الصارمة والعنيفة، التي حرمت لفترة طويلة شرائح واسعة من السكان من حقوق سياسية وثقافية ذات معنى. وأي نقاش حول مستقبل هذه الدول ومسألة الأقليات يتجاهل هذه الحقائق البنيوية يهدد بإعادة إنتاج الدورات نفسها من القمع وعدم الاستقرار والمغامرات السياسية اليائسة التي شكلت سياسات المنطقة لعقود.
وبالتوازي مع هذه التطورات، كثفت الحملة الجوية الأمريكية-الإسرائيلية ضرباتها ضد أهداف تابعة للنظام في أنحاء كردستان الإيرانية. ويشير نطاق هذه الضربات إلى أنها مصممة استراتيجيًا لتفكيك كامل البنية الأمنية للنظام في المنطقة الكردية، بما في ذلك المنشآت التابعة للحرس الثوري الإيراني، والجيش النظامي (الجيش)، وقيادات حرس الحدود، ومراكز الاستخبارات، وحتى مراكز الشرطة. ويبدو أن الهدف هو إضعاف قدرة النظام على المقاومة في حال اندلاع انتفاضة شعبية أو في حال تحرك قوات المعارضة الكردية إلى داخل الأراضي الإيرانية من إقليم كردستان العراق المجاور.
إن متابعة ردود الفعل في وسائل الإعلام الكردية ووسائل التواصل الاجتماعي، إضافة إلى محادثات مع مراقبين أكراد في أنحاء المنطقة، تشير إلى أن كثيرًا من الأكراد يرون في المشاركة المحتملة في الصراع مقامرة خطيرة وفرصة تاريخية في الوقت نفسه. فإذا نجحت هذه المشاركة، فقد تحسن الوضع السياسي وآفاق الأكراد داخل إيران. أما إذا فشلت، فقد تكون العواقب كارثية، مما يخلق مخاطر كبيرة للمجتمعات الكردية في كل من إيران والعراق. وفي هذه اللحظة الحساسة، فإن أفضل طريق للأكراد الإيرانيين — ولإيران ديمقراطية مستقبلًا — يتطلب تعاونًا بين مجموعات الأقليات العرقية والمعارضة الإيرانية الأوسع.
ولكي تنجح أي عملية تدخل مسلح من قبل الأحزاب السياسية الكردية الإيرانية — على الأقل من المنظور الكردي — سيكون من الضروري توفير غطاء عسكري مستمر من الولايات المتحدة وإسرائيل. كما ستكون هناك حاجة إلى دعم سياسي ليس فقط خلال المرحلة الحالية من الصراع، بل أيضًا في حال انهيار الجمهورية الإسلامية أو بقائها في حالة ضعف أو تحول. وإذا قرر صناع القرار في واشنطن سحب دعمهم بعد تشجيع المشاركة الكردية على الأرض، فقد تكون العواقب كارثية، إذ قد يعرّض ذلك المجتمعات الكردية في أنحاء المنطقة لعمليات انتقام واسعة من قبل الدولة الإيرانية. وهذا السيناريو ليس بعيد الاحتمال، فقد حدث وضع مشابه بعد حرب الخليج في 1990–1991. ففي ذلك الوقت، انتفض الأكراد ضد الرئيس العراقي صدام حسين بعد تشجيع من الرئيس الأمريكي آنذاك جورج بوش الأب، لكنهم تُركوا مكشوفين أمام العمليات العسكرية التي شنها نظام حسين. ولم يؤدِّ إلى تدخل دولي لوقف الحملة الوحشية إلا مشاهد النزوح الجماعي للمدنيين الأكراد وموت الأطفال من البرد في الجبال.
كما لا تزال الذكريات المؤلمة للحرب السورية حاضرة بقوة لدى الأكراد في أنحاء المنطقة. ففي سوريا، بدا أن القوات الكردية كانت على وشك أن تُترك من قبل شركائها الدوليين في عدة مناسبات بينما كانت تواجه هجمات من قوات الحكومة السورية والميليشيات المتحالفة معها حتى وقت قريب في يناير الماضي. ونتيجة لذلك، يشكك كثير من المراقبين الأكراد فيما إذا كان دعم واشنطن في الحالة الإيرانية سيكون ثابتًا ودائمًا أم مجرد دعم مؤقت ومرتبط بظروف معينة. ومن دون التزام مستمر من الولايات المتحدة وحلفائها بدعم المجتمعات الكردية في كل من إيران والعراق، يرى الأكراد أن المشاركة في الصراع قد تكون خطيرة للغاية بالنسبة لهم.
وفي الواقع، فإن المخاطر لا تقتصر على الأكراد الإيرانيين وحدهم. فالمشاركة المحتملة للجماعات الكردية الإيرانية في الصراع الحالي تحمل تداعيات إقليمية كبيرة. فقد يواجه أكراد العراق أيضًا عواقب خطيرة إذا تصاعد الصراع. إذ يبقى إقليم كردستان العراق عرضة للضغط والهجمات من إيران ومن الجماعات المسلحة الشيعية في العراق المتحالفة مع طهران. وتكشف تصريحات القيادة الكردية العراقية أنها تملك قدرة محدودة على التأثير في القرارات الاستراتيجية الأوسع التي تُتخذ في واشنطن. ومن المرجح أن يستمر التعاون بين القوات الأمريكية وجماعات المعارضة الكردية الإيرانية بغض النظر عن الموقف الذي تتخذه السلطات في أربيل. ويعتمد إقليم كردستان، الذي يضم أكثر من ستة ملايين نسمة، بدرجة كبيرة على الولايات المتحدة في مجالي الأمن والدعم السياسي، ولذلك فإن لديه مجالًا محدودًا لرفض المبادرات الأمريكية علنًا. ومنذ 28 فبراير، عندما بدأت الضربات الأمريكية والإسرائيلية ضد إيران، تعرض إقليم كردستان العراق بالفعل لحملة متصاعدة من الهجمات من قبل إيران والجماعات العراقية المتحالفة معها. ومن المرجح أن يتسع نطاق هذه الهجمات وحدتها إذا دخلت قوات المعارضة الكردية الإيرانية في الصراع.
ومن المرجح أيضًا أن تنظر تركيا إلى مثل هذه التطورات بقلق، وهو ما قد يزيد تعقيد الوضع. فقد كانت أنقرة تاريخيًا حذرة من أي مكاسب سياسية تحققها الجماعات الكردية في أي مكان في المنطقة، إذ تنظر إلى مثل هذه التطورات من خلال عدسة قضيتها الكردية الداخلية. ونتيجة لذلك، من المرجح أن يقاوم صانعو القرار في تركيا توسيع الدور السياسي للأكراد في إيران. كما أن احتمال مشاركة الجماعات البلوشية في جنوب شرق إيران، إذا حدث، قد يجذب باكستان أيضًا إلى المشهد، إذ تنظر إسلام آباد بقلق إلى النشاط السياسي للقومية البلوشية.
ومع ذلك، وعلى الرغم من كل ذلك، فإن اللحظة الحالية من التعاون مع واشنطن تحمل جاذبية كبيرة للأكراد في إيران. فبالنسبة لمجتمع عانى طويلًا من التهميش السياسي والقيود على الحقوق الثقافية واللغوية والتخلف الاقتصادي، تمثل هذه اللحظة فرصة نادرة للسعي إلى حقوق سياسية ظلت بعيدة المنال طوال قرن من تاريخ إيران الحديث.
وفي حين أن بعض التعليقات في وسائل الإعلام الغربية ودوائر صنع السياسات تصور خطأ النشاط الكردي أو نشاط الأقليات العرقية الأخرى على أنه نزعة انفصالية أو توحي بأن هذه الجماعات مجرد أدوات لقوى خارجية، فإن مشاركة الأكراد في الحرب الحالية تعكس ديناميات سياسية أعمق داخل إيران لا يمكن فهمها من منظور عسكري بحت. فالأكراد يتعاملون مع هذا الوضع في سياق تاريخهم ومظالمهم المشروعة.
وخلال العقد الماضي على وجه الخصوص، ازدادت أهمية العامل العرقي تدريجيًا في المشهد السياسي الداخلي الإيراني. وقد ظهر هذا التحول في موجات الاحتجاج المتعاقبة منذ عام 2017، حيث أصبحت المناطق ذات الأغلبية العرقية — وخاصة المناطق الكردية والبلوشية والعربية — مراكز رئيسية للحراك. ورغم أن إيران لا تنشر إحصاءات رسمية حول التركيبة العرقية لسكانها، تشير العديد من التقديرات إلى أن نحو نصف سكان البلاد ينتمون إلى مجتمعات غير فارسية مثل الأذريين والأكراد واللور والعرب والبلوش والتركمان وغيرهم. وتعيش هذه المجتمعات في الغالب في المناطق الحدودية لإيران، مكونة حلقة جغرافية تحيط بمركز البلاد. أما الفرس، الذين ينتمي معظمهم إلى المذهب الشيعي، فيبقون الجماعة المهيمنة سياسيًا داخل مؤسسات الحكم في الدولة.
إن وصف الجماعات الكردية أو غيرها من جماعات المعارضة العرقية بأنها حركات انفصالية تعمل بتوجيه من قوى أجنبية يتجاهل السياق البنيوي الأعمق الذي تعمل ضمنه هذه الجماعات. فكثير منها نشأ استجابة لعقود من السياسات الحكومية التمييزية المنهجية والمؤسسية. وبعد عقود من النشاط السياسي غير الناجح، يعتقد كثير من أبناء هذه المجتمعات أن فرص الإصلاح الحقيقي داخل النظام السياسي الإيراني القائم تبدو محدودة.
وهذا صحيح بشكل خاص عندما يُظهر حتى بعض أبرز شخصيات المعارضة خارج إيران استعدادًا محدودًا لمعالجة المطالب السياسية والثقافية للأقليات العرقية. فعلى سبيل المثال، لم يُبدِ ولي العهد السابق رضا بهلوي أي مرونة سياسية أو خطابية تُذكر فيما يتعلق بمسألة حقوق الأقليات. وكثيرًا ما يتهم مسؤولو الجمهورية الإسلامية وأجزاء من المعارضة في المنفى نشطاء الأقليات بـ«الانفصالية»، وهي تهمة تحمل عواقب خطيرة في إيران. وعلى مر السنوات، أُعدم العديد من النشطاء السياسيين الأكراد وغيرهم من نشطاء الأقليات بتهمة الانفصالية، سواء في عهد الملكية البهلوية أو في ظل الجمهورية الإسلامية.
ومن المرجح أن يتطلب أي انتقال سياسي مستدام في إيران إعادة تعريف للهوية الوطنية الإيرانية. فالسردية الرسمية الحالية للدولة تؤكد أولوية اللغة والثقافة الفارسية إلى جانب الإسلام الشيعي باعتبارهما الركيزتين الأساسيتين للهوية الإيرانية. وفي بلد يشكل في الواقع فسيفساء معقدة من المجتمعات العرقية والدينية، قد يكون من الضروري تبني فهم أكثر تعددية وشمولًا للهوية الوطنية من أجل تحقيق الاستقرار على المدى الطويل. إن تطوير إطار سياسي شامل كهذا سيكون أمرًا حاسمًا لضمان أن ترى المجتمعات المتنوعة نفسها ممثلة في مستقبل الدولة الإيرانية.
ومع ذلك، وحتى إذا سعت واشنطن وحلفاؤها إلى إضعاف النظام الحالي أو إزالته في نهاية المطاف، فلن تكون الجماعات الكردية وحدها قادرة على تحديد مستقبل إيران السياسي. فالتنظيمات الكردية مؤثرة بشكل رئيسي داخل المناطق الكردية. أما أي تحول أوسع في النظام السياسي الإيراني فسيتطلب تعاونًا بين طيف واسع من قوى المعارضة. ولذلك فإن تشجيع التنسيق بين جماعات المعارضة العرقية والحركات السياسية الإيرانية الأوسع يعد خطوة أساسية في تشكيل أي انتقال سياسي مستقبلي. وقد أشار الأكراد مرارًا إلى استعدادهم للانخراط في حوار مع بقية قوى المعارضة ودعم إطار سياسي لإيران يقوم على الديمقراطية والتعددية والشمول.
ويبدو أن الفاعلين الأكراد يدركون جيدًا المخاطر المرتبطة بالدخول في الصراع الحالي، ومن المرجح أن يتصرفوا بحذر. ومع ذلك، فإن الدافع الأعمق لعدم الاستقرار في إيران — وفي أجزاء واسعة من الشرق الأوسط — يظل متمثلًا في بنى الدولة السلطوية المركزية الصارمة والعنيفة، التي حرمت لفترة طويلة شرائح واسعة من السكان من حقوق سياسية وثقافية ذات معنى. وأي نقاش حول مستقبل هذه الدول ومسألة الأقليات يتجاهل هذه الحقائق البنيوية يهدد بإعادة إنتاج الدورات نفسها من القمع وعدم الاستقرار والمغامرات السياسية اليائسة التي شكلت سياسات المنطقة لعقود.
