أهمية الهوايات للكبار: لماذا تحتاج إلى شيء تحبه بعيدًا عن العمل والدراسة؟

memoa

Well-known member
حين كنا أطفالًا، كانت لدينا هوايات كثيرة: نرسم، ونجمع الطوابع، ونلعب الكرة، ونصنع أشياء بأيدينا، ونقرأ القصص لساعات. ثم كبرنا، وجاءت الدراسة والعمل والمسؤوليات، فتراجعت الهوايات شيئًا فشيئًا حتى اختفت من حياة كثيرين تمامًا. وصار السؤال "ما هوايتك؟" يربك البالغين، فيجيبون بتردد أنهم لا يملكون وقتًا لذلك، أو أن هوايتهم هي تصفح الهاتف ومشاهدة المسلسلات. لكن أهمية الهوايات لا تقل في الكبر عنها في الصغر، بل قد تزيد، فالهواية مساحة شخصية تحمي الإنسان من ضغوط الحياة، وتمنحه متعة خالصة لا ترتبط بالإنجاز أو الربح أو تقييم الآخرين.

فرش رسم وألوان زاهية على سطح أبيض في إشارة إلى أهمية الهوايات للكبار


ما الذي يجعل الهواية مختلفة؟​


الهواية نشاط تمارسه لأنك تحبه، لا لأنك مضطر إليه أو لأنه يحقق لك مكسبًا ماديًا. وهذا ما يميزها عن العمل والدراسة اللذين يرتبطان بالأهداف والمواعيد والتقييمات. ففي الهواية، لا يهم إن كانت لوحتك جميلة بما يكفي، أو إن كنت تعزف العود بإتقان، أو إن كانت الحديقة التي تزرعها مثالية. المهم أنك تستمتع بالعملية نفسها، وتعيش اللحظة بكل تفاصيلها.

ولهذا تختلف الهواية الحقيقية عن الاستهلاك السلبي للمحتوى، كالتمرير على وسائل التواصل أو مشاهدة الفيديوهات لساعات. فرغم أن هذه الأنشطة قد تكون ممتعة أحيانًا، فإنها غالبًا لا تمنحك الإحساس بالإنجاز والتجدد الذي تمنحه هواية تشارك فيها بيديك أو عقلك أو جسدك بشكل فاعل.

فوائد الهوايات للصحة النفسية والجسدية​


تؤكد دراسات كثيرة أن ممارسة الهوايات بانتظام ترتبط بانخفاض مستويات التوتر والقلق، وتحسن المزاج والرضا عن الحياة. فحين تنغمس في نشاط تحبه، تدخل في حالة يسميها علماء النفس حالة التدفق، حيث يختفي الإحساس بالوقت، وينشغل العقل كليًا بما تفعله، فيستريح من دوامة الأفكار المقلقة. وهي حالة قريبة في أثرها من التأمل، لكنها تأتي بشكل طبيعي وممتع.

كما تقوي الهوايات الذهنية، كالقراءة والشطرنج وتعلم اللغات والعزف على الآلات الموسيقية، القدرات المعرفية، وتساعد في الحفاظ على صحة الدماغ مع التقدم في العمر. أما الهوايات الحركية، كالمشي في الطبيعة وركوب الدراجات والسباحة والزراعة، فتجمع بين متعة الهواية وفوائد النشاط البدني. وتمنح الهوايات اليدوية، كالرسم والخياطة والنجارة والطبخ، شعورًا خاصًا بالإنجاز حين ترى شيئًا ملموسًا صنعته بنفسك.

وللهوايات أيضًا بعد اجتماعي مهم، فكثير منها يفتح الباب للتعرف على أشخاص يشاركونك الاهتمام نفسه، سواء في نادٍ للقراءة، أو فريق رياضي، أو ورشة للرسم، أو مجموعة على الإنترنت. وهذه العلاقات القائمة على الشغف المشترك غالبًا ما تكون من أصدق العلاقات وأكثرها متعة.

كيف تجد هوايتك المناسبة؟​


إذا لم تكن لديك هواية حاليًا، فابدأ بالعودة إلى طفولتك وشبابك: ما الذي كنت تحب فعله قبل أن تشغلك الحياة؟ كثيرون يكتشفون أن شغفهم القديم ما زال حيًا تحت ركام الانشغالات، وينتظر فقط فرصة للعودة. كما يمكنك أن تسأل نفسك: ما الأنشطة التي تجعلني أنسى الوقت؟ وما الأشياء التي أشعر بالفضول نحوها ولم أجربها بعد؟

ولا تخف من التجربة، فاكتشاف الهواية المناسبة قد يحتاج إلى تجربة عدة أنشطة قبل أن تجد ما يناسبك. جرب ورشة رسم واحدة، أو درسًا في الطبخ، أو زراعة بعض النباتات على شرفتك، أو تعلم أساسيات التصوير بهاتفك. ولا تبدأ بشراء معدات باهظة الثمن قبل أن تتأكد من أنك تحب الهواية فعلًا، فكثير من الهوايات يمكن البدء بها بأدوات بسيطة.

والأهم أن تتحرر من فكرة الكمال، فالهواية ليست ساحة للمنافسة أو لإثبات الذات. لا بأس أن تكون مبتدئًا، ولا بأس أن تكون نتائجك متواضعة، فالمتعة في الرحلة لا في النتيجة، والتحسن سيأتي تلقائيًا مع الممارسة والوقت، دون أن تجعله هدفًا يثقل عليك ويحول الهواية إلى عبء جديد.

ومن الأفكار الجميلة أن تبحث عن هواية يمكن أن تشارك فيها عائلتك، كالطبخ مع الأطفال في عطلة نهاية الأسبوع، أو زراعة حديقة صغيرة في البيت، أو الخروج في رحلات مشي جماعية. فهذه الهوايات المشتركة تجمع بين فوائد الهواية ودفء العلاقات الأسرية، وتصنع ذكريات جميلة تبقى طويلًا. وإذا كنت تبحث عن هواية لها أثر يتجاوزك، فهناك هوايات تخدم الآخرين أيضًا، كالخياطة لصنع ملابس للمحتاجين، أو الطبخ لجيرانك الكبار في السن، أو تعليم مهارة تتقنها لمن يرغب في تعلمها. وفي هذه الحالة تجمع الهواية بين المتعة الشخصية والعطاء.

اصنع وقتًا لهوايتك​


يقول كثيرون إنهم لا يملكون وقتًا للهوايات، لكن الحقيقة أننا غالبًا نملك وقتًا نضيعه دون أن نشعر، خاصة على الهواتف. جرب أن تقتطع نصف ساعة يوميًا من وقت التمرير، وخصصها لهوايتك، وستندهش من الأثر الذي تتركه هذه الدقائق القليلة على مزاجك وطاقتك. ويمكنك أيضًا أن تجعل الهواية جزءًا من روتينك الأسبوعي، كأن تخصص صباح الجمعة للمشي في الطبيعة، أو مساء الثلاثاء للقراءة، فالمواعيد الثابتة تحمي الهواية من أن تبتلعها المشاغل.

وتذكر أن أهمية الهوايات لا تقتصر على المتعة، بل تمتد إلى صحتك وسعادتك وعلاقاتك وهويتك نفسها. فأنت لست مجرد موظف أو طالب أو أب أو أم، بل إنسان له شغف واهتمامات تستحق أن تعيش.

ما هوايتك المفضلة؟ وهل لديك هواية قديمة تتمنى العودة إليها؟ شاركنا في الردود.
 
عودة
أعلى